الشيخ محمد تقي بهجت
24
مباحث الأصول
ويمكن أن يقال : إنّ تحريم مقطوع الحرمة بقيد عدم المصادفة ، غير معقول في نفسه ، لعدم إمكان إحراز موضوعه ، لأنّ القاطع لا يحتمل عدم مصادفة قطعه ، كما مرّ . الفرق بين التجرّي والمعصية وممّا قدّمناه ظهر : أنّ ما أفيد من عدم الفرق بين التجرّي والمعصية - بناء على أنّ استحقاق العقاب عقليّ ، كما عن المشهور - مخدوش : بأنّ قصد الهتك والظلم ليس موضوعا للحكم العقلي ، بل الظلم القصدي والهتك القصدي ؛ فالمصالح الملحوظة عند العقل في حكمه ، لا بدّ من ثبوتها ومن تقيّد فوتها بالقصد ، لا أنّ القصد تمام الموضوع ، وإلّا لثبت بمجرّد العزم ولا يقول به المخالف . دور القصد والعزم في استحقاق العقاب وبالجملة : فموضوع حكم العقل باستحقاق العقوبة ، المخالفة عن قصد ، لا مجرّد القصد ، كان جرى على طبقه أو لم يكن . ومنه يظهر إمكان اختيار أنّ أصل استحقاق المؤاخذة عقليّ ، وتطبيقه في الأمور الغير المرتبطة بنظام هذه النشأة ليس إلّا بإرشاد الشارع الحكيم ، وليس من العقل إلّا تصديق الحكيم في ما يقرّره عن حكمة بحيث لو اطّلع عليها لحكم بها ، وغاية ما للعقل تقرير العقوبة الدنيويّة لما يرتبط بنظم الاجتماع ، وقد يخطّئه الشرع وقد يصدّقه ، وهو يصدّق الشرع أبدا . بل حيث إنّ موضوع حكم العقل ، المخالفة القصديّة ، فمع انتفاؤهما معا أو انتفاء أحدهما ، لا حكم عقلي بالاستحقاق ؛ فكذا لا عقوبة من الشرع الموافق